ابن عربي
82
الشجرة النعمانية ( شرح القونوي )
ثم كشف لي عن شجرة البستان الكلية ؛ الموصوفة بالمثلية . فنظرت إلى شجرة أصلها ثابت وفرعها في السماء ، وثمرها بيد آلات الاستواء ، وبين أغصانها الغراب والغربة والعنقاء ، وفي ذرى أفنانها العقاب ، والمطوّقة الورقاء . فسلمت على الشجرة فحيّت أحسن مني وقالت : اسمع أيها السالك في المسالك أنا الشجرة الكلية الجامعة المثلية ذات الأصول الراسخة والفروع الشامخة ، غرستني يد الأحد في بستان الأبد مستورة عن تصاريف الأمد ، فأنا ذات روح وجسد ، وثمري مقطوف دون يد حملت من ثمر العلوم والمعارف ، ما لا تستقل بحمله العقول السليمة وأسرار اللطائف ، ورقي فرش مرفوعة ، وفاكهتي غير مقطوعة ولا ممنوعة ، وسطي هو المقصود ، وفروعي في هبوط وصعود ، ونشأتي كالفلك في الاستدارة ، وفروعي منازل الأرواح الطيارة ، زهري كالكواكب السيارة تتكون المعادن عن سيرانها ، أنا شجرة النور والكلام ، وقرة عين موسى عليه السلام ، لي من الجهات اليمين الأنفس ، ومن الأمكنة الوادي المقدس ، ولي من الزمان الآن ، ومن المساكن خط الاستواء ، واعتدال الزمان في الدوام والبقاء ، والسعادة دون الشقاء ، جنتي دان وفني عني كأنه نشوان ، له لطافة وجنان ، على جميع الحيوان . لم تزل أفناني للأرواح اللوحية ، كنار داود فيّ ، لها تأثيرات الشعاعات اليومية ، ساترا ظلّي وممدود لأهل العناية ، وجناحي منشور على أهل الولاية ، تهب على الأرواح باختلاف تصاريفها ، فتخرج أغصاني عن ترتيب تأليفها ، فتسمع لذلك التداخل نغمات توله العقول العلوية على سمو أوجها ، فنّها يسقي الحكمة ، ويزيل الهموم بحسن إيقاع النغمة ، فأنا الظلّ الممدود ، والطلح المنضود ، والمعنى المقصود : كلمة الجود . فأوجدني من أوجدك عند التقابل ، وأظهرني من أظهرك على التماثل . فأنا من قوتك صادرة ، وبصورتك ظاهرة ، وأودعني حقيقتين : - حقيقة أعرف بها . - وحقيقة أكون ما شئت بسببها . ورقيقة مني إليك ، تنزلني إذا اشتهيتك عليك ، وبها حضرت بين يديك . فلما سمع أن بيني وبينه رقيقة ممتدة ، وهو قد تحقق بحقائق المودة ، ووقع النكاح المعنوي ، واجتمع الماءان ، في الرحم الآن فهو يتردد بين شوقين ، يغرب في غربين ويشرق في شرقين . فوجدت في ذاتي امتلاء لم أكن أعرفه قبل ذلك . وسدّت المجاري والمسالك ، فحركت الرقيقة الإلهية فأجابني .